الموبايل يدمر ذاكرتك

هل هواتفنا الذكية تساعدنا حقا على إنجاز المزيد من الأعمال، أم أننا نعاني حقا من "فقدان الذاكرة الرقمي"؟ تجلت الآثار المحددة لاستخدام الهواتف الذكية تقريبا في معظم المهام اليومية على أدمغتنا، وقدرتها على استرجاع المعلومات، وقدرتها على تتبع كل البيانات التي نحاول تخزينها في المخ، طبقا لما نقلته الجارديان، عن علماء أعصاب وباحثين. يقول البعض إن عددا من خصائص الهواتف الذكية التي تساعد المستخدمين على تذكر البيانات الثابتة، مثل أرقام الهواتف والمواعيد وخلافه، تترك مساحة في الدماغ لاستخدامها في الوظائف المعرفية الأخرى. ورغم ذلك، يرى فريق آخر أن المنحدر أكثر انزلاقا، محذرين أنه كلما قل الاعتماد على أدمغتنا، أصبحت أضعف، وأن الاستعانة بمصادر خارجية للقيام بوظائف دماغية معنية يغير في حقيقة الأمر التركيب المادي لما يمكن القول إنه أهم عضو لدينا.
تنزيل أفكارنا خارج أدمغتنا ليس شيئا جديدا، إنها فقط أصبحت عملية رقمية على مر السنين. قبل ظهور التكنولوجيا التي جلبت لنا الهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر، كان البشر يقومون عادة بتدوين أفكارهم والأشياء التي يرغبون في تذكرها، من قوائم التسوق والبقالة، ومواعيد الأطباء، أو التذكيرات لإعادة الاتصال بشخص ما، باستخدام القلم والورقة، طبقا لما ذكره عالم الأعصاب كريس بريد. وبالتالي، فإن تلك العملية الخاصة بـ "تنزيل" الأفكار والتذكيرات من أدمغتنا إلى "مساحة تخزين خارجية" ليست جديدة ويمكن في الواقع كما يرى بريد أن توفر المزيد من قوة ومساحة المخ لوظائف أخرى مثل التركيز والإبداع.
لكن هناك أيضا مخاطر لهذا النهج: يدعم علماء أعصاب آخرون مثل أوليفر هارد من جامعة مكجيل نهج "استخدم دماغك أو ستخسره". وقال هارد للجارديان: "بمجرد أن تتوقف عن استخدام ذاكرتك، سيزداد الأمر سوءا، الأمر الذي يجعلك تستخدم جهازك بصورة أكبر". تدعم دراسة أجرتها جامعة واترلو في عام 2005 هذه الفرضية، إذ وجد الباحثون أن الاعتماد المفرط على الهواتف الذكية لاسترجاع المعلومات بشكل مناسب مرتبط بـ "الكسل في التفكير"، مما يشير إلى أن وجود صلة بالفعل بين "الاستخدام المكثف للهواتف الذكية والذكاء الضعيف"، على الرغم من عدم وجود علاقة سببية واضحة حتى الآن.
بعض خصائص الهواتف الذكية تعمل على تقويض أدمغتنا أكثر من غيرها: رغم أن مجرد استخدام الخصائص المناسبة على هواتفنا لتذكر أشياء مثل مكونات وصفة طبخ أو مكان السيارة في جراج إحدى المولات التجارية ليس بالضرورة أن يحمل ضررا كبيرا على قدرة ذاكرتنا، إلا أن ثمة أدلة بدأت تتجلى حول أن الاعتماد المفرط قد يبدأ في تغيير البنية الفسيولوجية للمخ. ومن المرجح أن هذا التأثير سينجم عن الاعتماد على الهواتف لتنفيذ المهام الأكثر تعقيدا مثل رسم الخرائط الجغرافية (استخدام خرائط جوجل طوال الوقت). على الرغم من أن استخدام نظام تحديد المواقع العالمي (جي بي إس) لإرشادك إلى وجهات جديدة تماما ليس نهاية العالم بالنسبة المادة الرمادية للمخ، إلا أنه من الأفضل لصحتك المشاركة في السلوك المكاني في رسم الخرائط الجغرافية. على سبيل المثال، فهم خريطة لكي تكون قادرا على حساب الاتجاهات وفك رموز أماكن معينة، يتطلب إدراكا مكانيا والذي يستدعي الحصين (قرن آمون) في الدماغ، وهو جزء في المخ يلعب دورا كبيرا في قدرات الذاكرة لدينا.
ماذا يعني كل ذلك؟ بعيدا عن الفروق الدقيقة اليومية المتمثلة في نسيان مهمة من قائمة مهامك، تتزايد مخاوف علماء الأعصاب من أن اعتمادنا المفرط على الهواتف الذكية سيؤدي إلى زيادة أمراض الدماغ التنكسية. وأشارت دراسة جارية حول التطور المعرفي لدى المراهقين إلى أن الأطفال الصغار الذي يتعرضون بشكل أكبر للتكنولوجيا (مثل الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية) أصيبوا بالمزيد من ترقق قشرة الدماغ، وهي عملية من المفترض أن تحدث مع تقدم العمر كجزء من عملية الضمور الطبيعية مع تقدم العمر. يرتبط ترقق القشرة بأمراض الدماغ التنكسية مثل مرض ألزهايمر والشلل الرعاش والخرف.