الخميس, 18 أغسطس 2016

القاهرة الحبيبة: هذه رؤيتنا لاستعادة إشراقتك سويًا

التغيير مصطلح فضفاض في حد ذاته، قد تنطلق شرارته الأولى بين ليلة وضحاها، كما أظهرت لنا تجربة السنوات الماضية. ويبقي السؤال الأهم والأخير: ما الذي نقدر على فعله أو تقديمه للخروج بعاصمتنا التاريخية من دائرة المشكلات التي تواجهها؟

تغيير الواقع يبدأ بتغيير المفاهيم

لن يثمر الكلام وحده عن تنمية مشروعات التطوير العقاري، ولن يؤدي بالضرورة إلى تغيير حقيقي في الإطار التنظيمي لعملية تخصيص الأراضي أو آلية التنسيق بين مختلف الجهات المختصة بمنظومة الإسكان، فحقيقة الأمر أن أية مبادرة لإحداث تغيير يُذكر سيكون نجاحها مرهونًا بإعادة النظر في المفاهيم الجوهرية المتعلقة بسياسات الإسكان والتخطيط العمراني، وكذلك نظام الحوكمة علي مستوى الأقاليم والمحافظات والمحليات، ولا سيما في القاهرة حيث يهدر المواطن ما يصل إلى أربع ساعات يوميًا من وقته للانتقال من وإلى العمل أو لأداء بعض المهام البسيطة.

سوف تبدأ المفاهيم في التغير مع استحداث وتبني السياسات المبنية على الرؤية الواضحة والمنهج المستنير بدروس التجارب المشابهة والنماذج الناجحة على الساحة الدولية، والتي يمكن إعادة تطبيقها هنا بما يلائم الواقع المصري. فهناك ثلاثة خصائص رئيسية يشترط توافرها لضمان كفاءة وفعالية سياسات التخطيط العمراني، تتمثل في التواجد القوي لدعم السلطة المركزية، والعمل وفق إطار تنظيمي بالغ الوضوح، إلى جانب التفاعل الحقيقي لجميع الأطراف ذات العلاقة، بما في ذلك الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني والمنظمات العمالية والمهنية – هكذا يرى تشارلز أوشنر الذي تولى الإشراف على أول عملية تخطيط عمراني على مستوى مدينة بوسطن الأمريكية عام 1965، وفقاً لأحد أبحاثه التي نشرتها كلية إدارة الأعمال بجامعة يال الأمريكية.

القاهرة ليست بوسطن بالتأكيد، ولكن قواعد اللعبة نادرًا ما تختلف من حالة لأخرى فيما يتعلق بسياسات الإسكان سواء في الأسواق الناشئة أو الناضجة، وتقدم المكسيك في ذلك مثالاً لأحد الأسواق الناشئة ذات الخصائص المشتركة مع السوق المصري. ستجد في التجربة المكسيكية أن الطفرة التي شهدتها البلاد في قطاع الإسكان عام 2012، تجلت بالتزامن مع اتجاه الحكومة إلى التخلي عن المنظور الكمي لقطاع الإسكان واستبداله بأهداف مبنية على أساس نوعي، سعيًا لتلبية احتياجات الشعب بمختلف طبقاته ومراعاة حقه في المسكن الملائم والمعيشة التي يستحقها.

ويعني هذا التحول أن تتبلور أهداف الحكومة في تمكين الشريحة العظمى من المواطنين من تحمل تكلفة اقتناء المسكن، عبر تشجيع القطاع الخاص للمشاركة الفعالة في النهوض بقطاع الإسكان المتوسط في إطار المنفعة المتبادلة لجميع الأطراف، وبالتالي تفعيل آليات التمويل العقاري، والتأكد من أن المجتمعات السكنية الجديدة التي يتم إنشائها ستحظى بسبل الحياة العصرية والقدر المناسب من التكامل حتى تكون وجهة حقيقية للهجرة الداخلية.

الطبقة المتوسطة، الحلقة المفقودة

تشكل الطبقة المتوسطة من السكان أبرز دوافع النمو الحقيقي بالاقتصاد الوطني، ومعها المشروعات الصغيرة والمتوسطة، بحسب ما أشرنا في الجزء الثالث من هذه السلسلة، فهي تمثل نحو 70% من التعداد السكان وتساهم بنحو 80% من سوق العمل في البلاد طبقاً لوزارة المالية (إذا ما أدرجنا المشاريع الصغيرة ومتناهية الصغر)، ورغم ذلك جرت العادة على تجاهل احتياجات هذه الشريحة المحورية من المجتمع، في حين ينصب الاهتمام الأكبر على المشروعات العملاقة من ناحية وشريحة محدودي الدخل من ناحية أخرى.

مطالب الطبقة المتوسطة بسيطة، ولا تعدو أن يكون بناء وحدات الإسكان داخلاً في إطار تنمية المجتمعات المتكاملة، وهو ما يتطلب وقفة جادة قبل إعلان المزيد من الخطط الطموحة لتعمير مجتمعات سكنية جديدة، ولنقم أولاً بدراسة الشريحة السكانية التي ستقطن هذه المجتمعات لنري إن كان قادرة على تحمل نفقات المعيشة هناك، وإذا كانت سترغب أصلاً في الهجرة إلى تلك المجتمعات حال الانتهاء منها.

لقد تعلمنا من تجربة المدن الجديدة المحيطة بالقاهرة أن مجرد تشييد الوحدات العقارية لا يكفي لإغراء المواطنين بهجر العاصمة والتوطن في تلك المجتمعات الجديدة، وخاصة عندما تكون تلك المجتمعات مفتقدة لشبكات البنية التحتية المناسبة لخدمة قاطنيها. كيف يمكن أن تطالب أحدًا بالانتقال إلى مجتمع عمراني لا يحظى بشبكات المواصلات أو فرص العمل أو حتى الخدمات الأساسية؟ هذه الحاجات لا يمكن الاستغناء عنها سواء من الطبقة المتوسطة أو محدودي الدخل، والنتيجة أن لدينا صفوفًا متراصة من المباني ووحدات الإسكان المتوسط الخاوية في مناطق كالشيخ زايد والسادس من أكتوبر.

الأسعار

سيظل نجاح أي حراك لتقليص الفجوة الحالية بين العرض والطلب في سوق الإسكان مرهونًا بإقدام الحكومة على تولي زمام القيادة والتنظيم، وكذلك تشجيع مشاركة القطاع الخاص — ذلك القطاع المُتحمس والمُتأهب لتلبية احتياجات مختلف فئات المجتمع لو توافرت لديه الآليات والحوافز المناسبة. وسوف يتطلب ذلك طرح الأراضي الجديدة بأسعار معقولة على أطراف العاصمة حتى نستطيع تطوير الوحدات السكنية التي تبدأ أسعارها من 350 ألف جنيه، إذ أن المطور العقاري لا يمكنه بأي حال من الأحوال النزول عن تكلفة 3500 جنيه للمتر المربع. ولا شك أن هناك حاجة ملحة لتطوير السياسات التنظيمية وتعزيز اجراءات منح تراخيص البناء وتسجيل ملكية العقارات والأراضي تمهيدا لإتاحة خدمات التمويل العقاري للشريحة العظمي من المواطنين.

التمويل

أشرنا الأسبوع الماضي أن نظام التمويل العقاري على حالته الراهنة لا يقدم حلاً سحريًا لأزمة الإسكان، ولا سيما في ظل ارتفاع معدلات الفائدة في الوقت الحالي. لا خلاف بالتأكيد على أن مجريات السوق هي التي تحكم أسعار الفائدة، ولكن في الوقت نفسه لا يمكن التقاعس عن تمكين الطبقة المتوسطة من تمويل الوحدات السكنية، وهنا يأتي دور الحكومة في اتخاذ القرارات الحاسمة، مثل تخصيص جزء من الأموال والمدخرات الناتجة عن تقليص فاتورة الدعم وإعادة إقراضها من خلال القطاع المصرفي ضمن وعاء تمويلي يهدف إلى إصلاح وتحديث منظومة الإسكان المتوسط وتملك العقارات والمنشآت السكنية. ومن جهة أخرى ينبغي على دوائر صناعة السياسات أن تبدأ في التخطيط لاحتواء المتغيرات القادمة حين يصبح التمويل العقاري التي تدعمه الدولة هو الاستثناء وليس القاعدة، وهو ما نتوقع حدوثه عند انخفاض التضخم إلى ما دون 7% مع استقرار معدل الفائدة بين 5و6%.

الحوافز والمزايا ليست حكرًا على كبار المطورين

لوحت مؤخرًا دوائر صنع القرار بعودة حوافز الاستثمار ومن ثمّ بدأ الحديث مجددًا عن إحياء المناطق الحرة في إشارة واضحة الي تبني سياسات أكثر جذبًا للاستثمار. وعلى الأرجح، ستستفيد من هذه المزايا المشروعات المتوسطة والصغيرة إلى جانب الشركات والمؤسسات الكبرى، ولكن يُخطئ من يظُن أن ذلك في حد ذاته يعد حلاً لمشكلات التخطيط العمراني التي نعاني منها، والتي تقتضي بالضرورة دمج قطاع الإسكان الغير الرسمي عن طريق تقديم الحوافز التي تأخذ طابع الترغيب والترهيب عنها من تقديم مزايا الإعفاءات الضريبية أو غيرها من حوافز الاستثمار التقليدية.

تجدر الإشارة إلى أن العشوائيات والمجتمعات العمرانية المخالفة استنزفت نصيبًا لا بأس به من موارد الدولة والإعانات الدولية دون أن تقدم هي شيءً المقابل، وبالتالي حان الوقت للتعامل بجدية وندية مع صغار المطورين والمقاولين لتوفيق أوضاعهم والخروج من هذه الحلقة المفرغة. فبإمكاننا مثلا الاتفاق على مد شبكات البنية الأساسية وإدخال لخدمات الأساسية مثل المدارس ومحطات الإطفاء ومراكز الرعاية الصحية بشرط الالتزام بالمخطط العمراني للدولة واتباع معايير بناء محددة لضمان سلامة السكان في المستقبل.

الدولة تقود دفة التنمية

طالما ذكرنا حوافز الاستثمار وأوجه الإنفاق الحكومي، فلا ضرر من الإشارة إلى النظرية الكنزية في الاقتصاد، والمسماة بهذا الاسم نسبة إلى مؤسسها الاقتصادي البريطاني جون مينارد كينز، حيث تنادي النظرية بأن الإنفاق الحكومي على مشروعات البنية الأساسية لا يساعد فقط على استقرار الاقتصاد بل ويسهم كذلك في تجاوز موجات الركود. وتستطرد النظرية أن مثل هذا الإنفاق من شأنه خلق ثروات ضخمة في المستقبل، مثلما حدث في دبي علي سبيل المثال حينما ضخت أموالاً رخيصة مطلع الألفية الجديدة لتشييد بنية أساسية قوية لم تخذلها لعدة أجيال، بل كانت النواة للطفرة الاقتصادية التي شهدتها البلاد. وهكذا يتبين لنا ان تأسيس بنية تحتية سليمة مصحوباً بتوفير مزايا استثمارية ستسهم في خلق مدن أكثر حيوية وملائمة للعيش، بل وسيترتب عليها خلق قاعدة ضريبية فعالة لضمان تحقيق مكاسب مستدامة على مستوى إدارات الحكم المحلي.

الوعاء الضريبي على مستوى المحليات ضرورة ملحة

مشكلات الحكم المحلي تحتاج حلولاً من داخل الأحياء والمحليات، وبالتالي يلزمها أن تكون قادرة على تمويل نفقاتها من مواردها الذاتية، بالكامل أو جزئيًا، من خلال الضرائب التي تفرضها الحكومة على المشروعات والمواطنين التابعين لولايتها القضائية والضريبية.

لا جدال أن مصر ما زالت تشهد تغيرات جذرية وهامة، ولكن دعونا نتفق أن لدينا دستور ينص على ضرورة تمثيل الحكم المحلي، حيث يعد هذا التمثيل نواة للحوار المفتوح الذي تنتظره مصر حول الميزانيات المخصصة لوحدات الحكم المحلي، وإلى أي مدي يمكن تمويلها من الحصيلة الضريبية الخاصة بكل منطقة، وكذلك مدي حرية المسؤول للتصرف في تلك الميزانيات لتمويل المبادرات والمشروعات المحلية الهامة، طالما أن ذلك يتم تحت إشراف ورقابة فعالة من جانب السلطة المركزية للدولة.

وأخيراً…

إن وضع هذه الآليات موضع التنفيذ لن يعود بالنفع فقط على مطوري القطاع الخاص، بل سيفتح آفاقا غير مسبوقة أمام شريحة جديدة من صغار المطورين، وسيترتب على ذلك تقليص فجوة الإسكان وخلق الآلاف من فرص العمل وتنمية قطاع التطوير العقاري مع تعزيز التنمية الاقتصادية ككل.

مالم يتم الوقوف على هذه القضايا بجدية، لن ننجح في تخطي الوضع القائم بقطاع الإسكان والخروج إلى سياسات أكثر نجاحًا واستدامة في مجالي التعمير والإسكان. هذه السياسات وحدها القادرة على توفير المسكن الملائم لجميع المصريين وهو ما نطالب به في صميم أي برنامج أو خطة إصلاح طويلة الأجل.

ليس من العدل تصويب أسهم الاتهام نحو الحكومة بأنها لا تدرك الحاجة الماسة إلى ضرورة التحرك سريعاً، وخير دليل على ذلك هو الإعلان مؤخرا عن عدة مبادرات واعدة كمشروع تحيا مصر للقضاء على العشوائيات، والتخطيط لبناء ما لا يقل عن أربعة مدن جديدة، وكذلك مضاعفة الرقعة العمرانية كجزء من مشروع رؤية مصر 2030 الذي تم الاعلان عنه في مارس الماضي. هذه الخطة الطموحة سوف تثمر عن إضافة 7.5 مليون وحدة سكنية مزودة بالمرافق وشبكات البنية الأساسية.

لا شك أن هذه المبادرات لها خصائصها الإيجابية، ولكنها في حاجة إلى دمجها ضمن خطة متكاملة تشمل جميع الأطراف المعنية وتقوم علي توافق الرؤى بشأن المبادئ التوجيهية لتنفيذها. مثل هذه الخطة يجب أن ترتكز على عقد حوار جاد بين جميع الأطراف من أجل الاتفاق على رؤية موحدة للقاهرة 2050 التي سنشهد فيها زيادة تعمير الصحراء وتقليص كثافة العشوائيات مع استعادة رونق الضواحي وترسيخ مكانة القاهرة كأحد مراكز الحضارة البشرية كما عهدناها سابقًا.

هذه النشرة اليومية تقوم بإصدارها شركة انتربرايز فنشرز لإعداد وتطوير المحتوى الإلكتروني (شركة ذات مسئولية محدودة – سجل تجاري رقم 83594).

الملخصات الإخبارية والمحتويات الواردة بنشرة «انتربرايز» معروضة للاطلاع فقط، ولا ينبغي اتخاذ أية قرارات جوهرية دون الرجوع إلى مصدر الخبر بلغته الأصلية. كما أن محتويات النشرة تقدم “كما هي – دون استقطاع”، ولا تتحمل الشركة أو أي من العاملين لديها أو أية مسئولية تجاه دقة أو صلاحية البيانات الواردة بالنشرة باعتبارها ملخصات إخبارية.2022 Enterprise Ventures LLC ©

نشرة «إنتربرايز» الإخبارية تأتيكم برعاية «بنك HSBC مصر»، البنك الرائد للشركات والأفراد في مصر (رقم التسجيل الضريببي: 715-901-204)، و«المجموعة المالية هيرميس»، شركة الخدمات المالية الرائدة في الأسواق الناشئة والمبتدئة (رقم التسجيل الضريبي: 385-178-200)، و«سوديك»، شركة التطوير العقاري المصرية الرائدة (رقم التسجيل الضريبي:002-168-212)، و«سوما باي»، شريكنا لعطلات البحر الأحمر (رقم التسجيل الضريبي: 300-903-204)، و«إنفنيتي»، المتخصصة في حلول الطاقة المتجددة للمدن والمصانع والمنازل في مصر (رقم التسجيل الضريبي: 359-939-474)، و«سيرا»، رواد تقديم خدمات التعليم قبل الجامعي والجامعي بالقطاع الخاص في مصر (رقم التسجيل الضريبي: 608-069-200)، و«أوراسكوم كونستراكشون»، رائدة مشروعات البنية التحتية في مصر وخارجها (رقم التسجيل الضريبي: 806-988-229)، و«محرم وشركاه»، الشريك الرائد للسياسات العامة والعلاقات الحكومية (رقم التسجيل الضريبي: 459-112-616)، و«بنك المشرق»، البنك الرائد بالخدمات المصرفية للأفراد والخدمات المصرفية الرقمية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (رقم التسجيل الضريبي: 862-898-204)، و«بالم هيلز للتعمير»، المطور الرائد للعقارات التجارية والسكنية (رقم التسجيل الضريبي: 014-737-432)،و «مجموعة التنمية الصناعية (آي دي جي)»، المطور الرائد للمناطق الصناعية في مصر (رقم التسجيل الضريبي 253-965-266).