الرجوع للعدد الكامل
الأربعاء, 3 مارس 2021

"الدورة الفائقة للسلع": ما هي وماذا تعني لمصر؟

ماذا تعني قفزة أسعار السلع عالميا لنا في مصر؟ في الأسابيع الأخيرة، ازدادت التكهنات في صحف الاقتصاد العالمية بأن العالم يشهد بداية ما يعرف بـ "الدورة الفائقة" للسلع. منذ الانهيار المؤقت لأسواق المال في مارس الماضي، بدأت أسعار السلع الأساسية تشهد ارتفاعات كبيرة، ما دفع عددا من بنوك الاستثمار بوول ستريت إلى الإعلان بأننا في بداية دورة لارتفاع أسعار السلع الأساسية ستمتد لعدة سنوات، مدفوعة بطفرة الطاقة المتجددة، والسياسات النقدية التيسيرية من البنوك المركزية والحكومات حول العالم، والطلب الهائل من الصين. وسواء كان هذه هي البداية لدورة فائقة للسلع أم لا، يخبرنا المحللون والمتعاملون في أسواق السلع بأن الشركات في قطاعي المعادن والأسمدة ستستفيد من البيئة الحالية، ولكن هل اعتماد مصر على الاستيراد يعني أن تلك الطفرة في الأسعار سيكون ضررها علينا أكثر من نفعها؟

شهدت معظم أسعار السلع الأساسية عالميا قفزات كبيرة منذ الصدمة المؤقتة التي تعرضت لها الأسواق العالمية في بداية الجائحة في مارس الماضي. تقوم شركات التعدين بتوزيعات أرباح قياسية نتيجة للارتفاع الكبير في أسعار المعادن، خاصة الحديد والنحاس واللذين ارتفعا بأكثر من 80% خلال الـ 12 شهرا الماضية. وارتفعت أسعار النفط بأكثر من 230% منذ انهيارها التاريخي في مارس وأبريل الماضيين، وقفزت أسعار الغذاء لأعلى مستوياتها منذ 6 أشهر في يناير الماضي، مدفوعة بارتفاع عدد من السلع الأساسية، ومنها القمح، والذرة، وفول الصويا.

وحتى الآن لم ينتقل هذا التضخم إلى الاقتصاد المصري: تتراجع أسعار الأغذية محليا خلال الأشهر القليلة الماضية، ولا يوجد ما يشير على أن ذلك سيتغير على المدى القريب، وفق ما ذكره محمد أبو باشا رئيس وحدة بحوث الاقتصاد الكلي بالمجموعة المالية هيرميس لإنتربرايز. ويعود ذلك بالأساس إلى ضعف الاستهلاك، حسبما يرى نعمان خالد المحلل لدى أرقام كابيتال، والذي قال إن ارتفاع الأسعار قد يستغرق بعض الوقت حتى ينتقل إلى الأجزاء الأخرى من الاقتصاد. وفي الوقت نفسه، فإن أسعار الوقود التي تحدد الحكومة أسعارها دوريا، ستبقى ثابتة على الأقل حتى نهاية الربع الحالي. وظل معدل التضخم السنوي العام منخفضا خلال الأشهر الماضية، مسجلا أقل من 5% خلال أغلب أشهر النصف الثاني من 2020.

ولكن المحللين يتوقعون تغير ذلك في الشهور المقبلة: تتوقع أرقام كابيتال ارتفاع التضخم إلى 6-7% على مدى عام 2021، فيما تتوقع المجموعة المالية هيرميس بلوغه 6% في المتوسط، أما فاروس فتقدر معدل التضخم السنوي العام المتوقع بنحو 7% في المتوسط حتى الربع الأخير من العام الجاري، ثم يبدأ في التراجع مجددا بعد ذلك.

ستستورد مصر هذا التضخم إذا استمرت الأسعار العالمية في الارتفاع، حسبما يرى أبو باشا، مشيرا إلى أن هذا الصعود يتركز على السلع الأساسية، وأن مصر لا تصدر الكثير من تلك السلع كي تستفيد من الزيادة بل العكس هو الصحيح. والاستثناء الوحيد – حسب قوله – هو الأسمدة، والتي تعد مصر صافي مصدر لها.

أسعار المعادن قفزت بالفعل محليا: ارتفعت أسعار الحديد بنسبة 38%، أو بزيادة نحو 4 آلاف جنيه للطن منذ نوفمبر الماضي، وهو ما يعكس بصورة أو بأخرى ارتفاع أسعار خام الحديد بالأسواق العالمية. ويبيع المنتجون المحليون الطن بنحو 13.9 ألف جنيه، مقارنة بنحو 10.1 ألف جنيه في نوفمبر. وتأثرت الأسعار بالزيادة الحادة التي حدثت عالميا بين شهري نوفمبر وديسمبر 2020، ثم استقرت في يناير بعد أن فرضت الصين قيودا مؤقتة على معدلات إنتاجها من الصلب في بداية 2021. ولكن مع استئناف الصين صناعة الصلب العملاقة لديها بكامل طاقتها في فبراير، فإن الطلب على خام الحديد سيقفز من جديد، ما يرشح الأسعار لزيادات جديدة.

ومع ذلك، فإن ضعف الطلب المحلي قد يحمينا من قفزات سعرية كبيرة: تعمل مصانع الحديد المصرية في المتوسط بـ 50-60% من طاقتها، وعلاوة على ذلك، تسببت الاضطرابات التي سببتها جائحة "كوفيد-19"، وأدى القرار المؤقت للحكومة العام الماضي بوقف تراخيص البناء بالمدن الكبرى إلى تراكم المخزون. وقال محمد حنفي رئيس غرفة الصناعات المعدنية لإنتربرايز إن الأمر أدى إلى تباطؤ عمليات شراء المواد الخام، مضيفا أن فائض المخزون يعني أن البعض قد اضطر للبيع بهوامش ربحية محدودة أو حتى بخسارة طفيفة.

استفادة شركات المعادن من الزيادات العالمية يتوقف على حجمها: الشركات الكبرى المدرجة في البورصة المصرية مثل حديد عز أو مصر للألومنيوم ستستفيد من الصعود الجاري في أسواق السلع الأساسية عالميا، بسبب حجمها الكبير وقدرتها على امتصاص الضغوط التضخمية، حسبما كتب محللو المجموعة المالية هيرميس في مذكرة بحثية نشرت هذا الأسبوع. وقال يوسف حسيني المحلل بقطاع البحوث بهيرميس لإنتربرايز إن الشركات الكبرى ستشهد تضخما في أسعار مدخلاتها من المواد الخام، ولكن التضخم الذي سينتقل إلى أسعار منتجاتها يعني أن هوامشها الربحية ستظل تنمو على الأغلب خلال الدورة الفائقة للسلع.

وتتوقف الاستفادة أيضا على موقع كل شركة من سلسلة القيمة: يقول حسيني أن خلال الدورة الفائقة للسلع، يتحرك الهامش السعري لأعلى كلما اقتربت من المنتجات النهائية، موضحا أنه كلما كان موقعك في سلسلة القيمة كمستهلك قريبا من المنتج النهائي تام الصنع، كلما أثرت زيادة السعر عليك بالسلب. وكلما كنت على الطرف الآخر قريبا من مرحلة إنتاج المواد الخام، كلما استفدت على الأغلب من تلك الزيادة.

وسيكون قطاع الأسمدة هو الرابح الأكبر في حالة ارتفاع أسعار السلع الغذائية الأساسية: يرى حسيني أن منتجي الأسمدة المصريين مؤهلون بشكل جيد للاستفادة من بيئة ارتفاع أسعار المواد الغذائية. توفر زيادة الأسعار حافزا للمزارعين لزيادة إنتاجيتهم، وهو ما يحفز زيادة الطلب على الأسمدة، ويتيح بدوره لمصانع الأسمدة فرض أسعار أعلى. وأضاف أن تثبيت أسعار الغاز الطبيعي للمصانع يمثل عامل إيجابي مهم للغاية لمصنعي الأسمدة، ويمنحهم مساحة لزيادة الأسعار دون تحمل تكلفة إضافية.

ولكن الحكومة التي ما زالت تدرس التحوط من ارتفاع أسعار القمح، ترى الأمر بمنظور مختلف. باعتبارها أكبر مستورد للقمح في العالم، فإن ميزانية مصر ستتعرض لضغط من التقلبات الكبيرة في الأسعار العالمية. وشهدت أسعار القمح العالمية ارتفاعا بنسبة تزيد عن 40% من أدنى مستوياتها التي شهدتها في مارس 2020 إلى 207 دولارات للطن في 1 مارس الجاري. كان سعر القمح قد تحرك إلى الأعلى في ظل الزيادة في أسعار السلع الأساسية بشكل عام، لكنه بشكل خاص صعد أيضا بسبب القيود التي فرضتها روسيا على التصدير في أواخر العام الماضي.

النفط أيضا يضغط على الميزانية: على الرغم من أن ميزانية الدولة استفادت خلال أغلب فترات العام المالي الجاري من تراجع أسعار النفط العالمية، وبقائها دون السعر المعتمد في موازنة عام 2021/2020 والبالغ 61 دولارا للبرميل، فإن صعود خام برنت مؤخرا فوق مستوى 67 دولارا للبرميل أدى إلى ارتفاع فاتورة الواردات الحكومية. وقد يتعين على وزارة المالية إبرام عقود إضافية للتحوط من زيادات إضافية محتملة قد تسبب مزيدا من الضغط على الميزانية.

لكن ارتفاع الأسعار قد يترجم إلى تدفقات أقوى للعملة الصعبة: يرى نعمان خالد أن تعافي الاقتصاد العالمي قد يعني زيادة في حركة التجارة والاستثمار قد تفوق سلبيات التضخم الناتج عن زيادة أسعار السلع الأساسية. ويضيف أن ارتفاع أسعار النفط سيقوي من المراكز المالية لدول مجلس التعاون الخليجي، وربما يؤدي ذلك إلى زيادة تحويلات المصريين العاملين بالخليج، فضلا عن زيادة الاستثمارات المباشرة القادمة من هناك. وتعتبر الزيادات في أسعار الغاز الطبيعي ميزة إضافية بالنسبة لمصر، باعتبارها مصدرا صافيا للغاز الطبيعي في الوقت الحالي.

المزيد من المصادر حول الدورة الفائقة للسلع:

هذه النشرة اليومية تقوم بإصدارها شركة انتربرايز فنشرز لإعداد وتطوير المحتوى الإلكتروني (شركة ذات مسئولية محدودة – سجل تجاري رقم 83594).

الملخصات الإخبارية والمحتويات الواردة بنشرة «انتربرايز» معروضة للاطلاع فقط، ولا ينبغي اتخاذ أية قرارات جوهرية دون الرجوع إلى مصدر الخبر بلغته الأصلية. كما أن محتويات النشرة تقدم “كما هي – دون استقطاع”، ولا تتحمل الشركة أو أي من العاملين لديها أو أية مسئولية تجاه دقة أو صلاحية البيانات الواردة بالنشرة باعتبارها ملخصات إخبارية.2021 Enterprise Ventures LLC ©

نشرة «إنتربرايز» الإخبارية تأتيكم برعاية «البنك التجاري الدولي»، البنك الأكبر بالقطاع الخاص في مصر (رقم التسجيل الضريبي: 949-891-204)، و«المجموعة المالية هيرميس»، شركة الخدمات المالية الرائدة في الأسواق الناشئة والمبتدئة (رقم التسجيل الضريبي: 385-178-200)، «سوديك»، شركة التطوير العقاري المصرية الرائدة (رقم التسجيل الضريبي:002-168-212)، و«سوما باي»، شريكنا لعطلات البحر الأحمر (رقم التسجيل الضريبي: 300-903-204)، و«إنفنيتي»، المتخصصة في حلول الطاقة المتجددة للمدن والمصانع والمنازل في مصر (رقم التسجيل الضريبي: 359-939-474)، و«سيرا»، رواد تقديم خدمات التعليم قبل الجامعي والجامعي بالقطاع الخاص في مصر (رقم التسجيل الضريبي: 608-069-200)، و«أوراسكوم كونستراكشون»، رائدة مشروعات البنية التحتية في مصر وخارجها(رقم التسجيل الضريبي: 806-988-229)، و«أكت فايننشال»، المستثمر النشط الرائد في مصر (رقم التسجيل الضريبي: 612-924-493)، و«أبو عوف»، شركة المنتجات الغذائية الصحية الرائدة في مصر والمنطقة (رقم التسجيل الضريبي 846-628-584).