الخميس, 28 يوليو 2016

الزحف العمراني خارج تخطيط الدولة – سوق الإسكان الحقيقي في مصر

تشكل التركيبة السكانية أبرز الدوافع لنمو الطلب العقاري على الساحة المصرية، فبين طيات قاعدة سكانية تتعدي 90 مليون نسمة، وتنمو بنحو 2% سنويًا، تسجل مصر ما يزيد عن 800 ألف حالة زواج في السنة الواحدة، ويمكن اعتبار ذلك مؤشرًا ملائمًا لقياس حجم الطلب السنوي على وحدات الإسكان. ولكن التساؤل يثور حول قدرة العرض على مواكبة النمو بنفس الوتيرة.

 
النفي قطعًا هو الإجابة النموذجية لهذا التساؤل.

 
نرى في القاهرة على سبيل المثال أن التجمعات السكنية والمجتمعات العمرانية الجديدة التي نشأت على أطراف العاصمة تستهدف شريحة خاصة من المواطنين، ولا سيما ميسوري الحالي وذوي القدرة المادية لشراء مسكن ملائم لا يقل ثمنه عن نصف مليون جنيه، وهذا يرجع إلى أن مناقصات أراضي الإسكان التي يتم طرحها بمساحات تبدأ من 500 متر مربع للقطعة، تكفي فقط لتلبية قدر بسيط من ذلك الطلب المتنامي، بعيدًا عن المجتمعات السكنية الفاخرة والمشروعات العقارية المسورة ذات التكاليف والأسعار التعجيزية بالنسبة للمواطن العادي.
أسفر ذلك سنة تلو الأخرى عن اتساع الفجوة بين العرض والطلب لتقدر في الوقت الحالي بنحو 3 ملايين وحدة، وهو رقم مرعب لو ثبتت صحته لأنه يعني وجود أفواج لا حصر لها من المواطنين فاقدي المأوى، أو قاطني الشوارع كما يطلق عليهم.

 
ولكن الوضع ليس كذلك على أرض الواقع.

 
انظر إلى جانبي الطريق الدائري بالقاهرة لتتأكد أن تلك الفجوة المزعومة ليست فجوة إسكان في جوهرها. سترى أن الأراضي الزراعية على جانبي الطريق الدائري تم استبدالها بآلاف الأبنية السكنية التي تم تشييدها خارج الإطار الرسمي لتلبية الطلب المتنامي وسط غياب السياسات الواضحة والرامية إلى توفير المسكن الملائم للشريحة العظمي من المجتمع، وهو ما أسفر بدوره عن تغول العقارات الخارجة عن تخطيط الدولة إلى نحو 50% من الرقعة العمرانية على مستوى محافظات الجمهورية، ويرتفع ذلك إلى قرابة 60% في القاهرة وحدها.

 
لقد نشأت أحياء قاهرية شهيرة مثل الهرم وفيصل باعتبارها مجمعات عمرانية مخالفة تمت إقامتها على أراض زراعية. لا عجب إذاً في تزايد الأصوات المحذرة من خطورة تجريف الرقعة الزراعية في مصر بهذه السرعة الجنونية، فهذا هو لب الموضوع، إذ يفضل أصحاب المزارع الصغيرة تقسيم أراضيهم إلى قطع صغيرة تكفي كل منها لإنشاء عمارات سكنية مكونة من 12 طابق، مقدمين بذلك حل سحري لنقص الوحدات الإسكان ذات الأسعار الملائمة.
هذا الزحف العشوائي هو في الواقع سوق الإسكان الحقيقي في مصر.

 
والحقيقة أن تلك المنشآت السكنية عادة ما تكون مرتعًا للمشكلات المصاحبة للتطوير العشوائي، مثل غياب الخدمات الأساسية كالمدارس ومراكز الرعاية الصحية ومحطات المطافئ وغيرها، بل إنها أحيانًا تكون غير قابلة للسكن من أساسه نظرًا لضعف الأساسات، أو غيابها كليًا، وعدم وجود مرافق مثل الكهرباء الآمنة ومياه الشرب وخدمات الصرف الصحي، وبالتالي يجد السكان أنفسهم في مواجهة أخطار وأمراض لا تعد ولا تحصى، فضلاً عن وقوعهم فريسة سهلة لجشع المقاولين.

 
واليوم، أصبحت الأراضي المملوكة ملكية خاصة تحتوي على أكثر من 90% من سوق الإسكان غير الرسمي، وهو سوق حيوي يتطور لملائمة القدرات الاقتصادية لغالبية المواطنين، وله خصائصه الرئيسية التي تتبلور في القرب من المجمعات العمرانية ومراكز التوظيف الرئيسية، وإمكانية السداد على أقساط، وعدم تطبيق قيود أو اشتراطات لعملية وتوقيت الإنشاء، فضلاً عن وجود مزيج من الوسطاء وصغار المقاولين وعمال البناء وما إلى ذلك. ويقول الخبراء من صناعة الأسمنت أن قطاع الإسكان غير الرسمي يمثل 50% من إجمالي مبيعات الأسمنت، وهو ما يعكس حجم ونطاق هذا السوق الضخم. هناك إذًا نشاط اقتصادي ينمو بصورة حيوية والحكومة، وشركات التطوير ذات الخبرة ينبغي عليهم إيجاد الآلية المثالية للاستفادة من هذا السوق.

 
حجم السوق ونطاقه الهائل لا يترك بديلاً عن الاعتراف به والبدء فورًا في توفيق أوضاعه، وذلك هو ما يحدث في نهاية الأمر على أي حال بعد إقرار الحكومة بالأمر الواقع في تلك المناطق ثم تزويدها بالمرافق والبنية الأساسية شيئًا فشيئًا – راجع مثال أحياء الهرم وفيصل.

 
وبالتالي فإذا كان ذلك الاعتراف هو أمر حتمي، لماذا لا نستبق نحن السوق ونقدم حوافز لصغار المطورين من أجل العمل وفق إطار رسمي؟ بإمكاننا مثلاً تسريع عملية تسجيل ملكية الأراضي والوحدات السكنية، والتعهد بمد شبكات البنية الأساسية بشرط اتباع معايير عمرانية محددة، واشتراط تخصيص مساحات مخصصة للخدمات الأساسية مثل المدارس ومحطات المطافئ. هذه أمثلة فقط لما يمكن إنجازه حال تبني سياسة تخطيط متكاملة وذات حوافز حقيقية.

 
ينبغي أيضًا على الحكومة ومطوري القطاع الخاص أن يتعاونوا لمحاكاة عملية التطوير الإسكاني والبناء على ما تحظى به من خصائص إيجابية، ولعل الخطوة الأولى تتمثل في وضع إطار تنظيمي جديد لعملية تخصيص الأراضي واستحداث آليات التسعير بمشروعات الإسكان. المطلب بإيجاز هو تطوير وحدات الإسكان داخل الإطار الرسمي، وبأسعار ملائمة لمختلف شرائح المجتمع.

 
سنتناول في الحلقة القادمة هذا الموضوع على نحو تفصيلي مع عرض أفكارنا حول كيفية الانتقال بسوق الإسكان الرسمي إلى نطاق أكثر شمولية.

هذه النشرة اليومية تقوم بإصدارها شركة انتربرايز فنشرز لإعداد وتطوير المحتوى الإلكتروني (شركة ذات مسئولية محدودة – سجل تجاري رقم 83594).

الملخصات الإخبارية والمحتويات الواردة بنشرة «انتربرايز» معروضة للاطلاع فقط، ولا ينبغي اتخاذ أية قرارات جوهرية دون الرجوع إلى مصدر الخبر بلغته الأصلية. كما أن محتويات النشرة تقدم “كما هي – دون استقطاع”، ولا تتحمل الشركة أو أي من العاملين لديها أو أية مسئولية تجاه دقة أو صلاحية البيانات الواردة بالنشرة باعتبارها ملخصات إخبارية.2022 Enterprise Ventures LLC ©

نشرة «إنتربرايز» الإخبارية تأتيكم برعاية «المجموعة المالية هيرميس»، شركة الخدمات المالية الرائدة في الأسواق الناشئة والمبتدئة (رقم التسجيل الضريبي: 385-178-200)، «سوديك»، شركة التطوير العقاري المصرية الرائدة (رقم التسجيل الضريبي:002-168-212)، و«سوما باي»، شريكنا لعطلات البحر الأحمر (رقم التسجيل الضريبي: 300-903-204)، و«إنفنيتي»، المتخصصة في حلول الطاقة المتجددة للمدن والمصانع والمنازل في مصر (رقم التسجيل الضريبي: 359-939-474)، و«سيرا»، رواد تقديم خدمات التعليم قبل الجامعي والجامعي بالقطاع الخاص في مصر (رقم التسجيل الضريبي: 608-069-200)، و«أوراسكوم كونستراكشون»، رائدة مشروعات البنية التحتية في مصر وخارجها (رقم التسجيل الضريبي: 806-988-229)، و«محرم وشركاه»، الشريك الرائد للسياسات العامة والعلاقات الحكومية (رقم التسجيل الضريبي: 459-112-616)، و«بالم هيلز للتعمير»، المطور الرائد للعقارات التجارية والسكنية (رقم التسجيل الضريبي: 014-737-432)، و«اتصالات مصر»، مزودة خدمات الاتصالات الرائدة في مصر (رقم التسجيل الضريبي: 579-071-235) و«مجموعة التنمية الصناعية (آي دي جي)»، المطور الرائد للمناطق الصناعية في مصر (رقم التسجيل الضريبي 253-965-266).